محمد طاهر الكردي
325
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
يقول فيه هجرا ، لا يستطيعون لذلك امتناعا لأن قريشا كانوا قد اجتمعوا وتعاقدوا على ذلك فكانوا له أعوانا عليه كما ذكره علماء النسب ، وحضر بيعة العقبة مع الأنصار قبل أن يسلم للتوثق لابن أخيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وشهد بدرا مع المشركين مكرها فأسر فافتدى نفسه وابني أخويه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث . ولما أسر يوم بدر فيمن أسر كان قد شد وثاقه ، فسهر النبي صلى اللّه عليه وسلم تلك الليلة ولم ينم ، فقال بعض أصحابه : ما يسهرك يا نبي اللّه ؟ فقال : أسهر لأنين العباس ، فقام رجل من القوم فأرخى وثاقه . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : مالي لا أسمع أنين العباس ؟ فقال الرجل : أنا أرخيت من وثاقه . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : فافعل ذلك بالأسرى كلهم . وأسلم عقيب ذلك . وقيل أن سبب إسلامه أنه لما أرسلت قريش فداء أسراها وبقي العباس وابنا أخويه المذكورين أمره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بدفع الفداء عن نفسه وعن ابني أخويه ، فاعتذر بأن لا شيء عنده يفتدي به ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : عندك المال الذي أوصيت عليه أم الفضل آخر الليل وقلت لها ادفنيه في موضع كذا ، فإن مت انتفعتم به بعد موتي وإن رجعت رجعت إليه أو كما قال ، فقال له العباس : ومن أخبرك بهذا ؟ فقال : أخبرني به جبريل آنفا ، فقال العباس : أشهد أن لا إله إلا اللّه وأشهد أن محمدا رسول اللّه فو اللّه ما علم به أحد غيري وغير أم الفضل آخر الليل ، فلما تشهد وثب أبو بكر الصديق عليه وحل الوثاق عنه . والروايات في وقت إسلامه مختلفة ، قيل إنه أسلم قبل الهجرة وكان يكتم إسلامه ، قال ابن عبد البر : أسلم العباس قبل فتح خيبر وكان يكتم إسلامه ثم ظهر إسلامه يوم فتح مكة . وقيل إن اسلامه كان قبل بدر . وكان رضي اللّه عنه يكتب بأخبار المشركين إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وكان المسلمون يتقوون به بمكة ، وكان يحب أن يقدم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فكتب إليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إن مقامك بمكة خير . فلذلك قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم بدر : من لقي منكم العباس فلا يقتله فإنما أخرج كارها ، وكان العباس رضي اللّه عنه أشد الناس نصرة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد أبي طالب ، وقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : أنت آخر المهاجرين كما أنني آخر الأنبياء ، ثم قال له لما استأذنه في الهجرة : يا عم أقم مكانك الذي أنت به فإن اللّه تعالى يختم بك الهجرة كما ختم بي النبوة ، كما أخرجه أبو يعلى الموصلي من رواية سهل بن سعد الساعدي ، ثم هاجر إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم . وشهد معه فتح مكة وانقطعت الهجرة الواجبة إليه صلى اللّه عليه وسلم التي كانت شرطا في الإسلام لا يقبل دونها ، لا الهجرة عن